ابن المقفع

108

آثار ابن المقفع

كان ببابي مطروحا . فإن الرجل الذي يحضر باب الملك ، إذا كان قد طيلت جفوته « 1 » من غير جرم كان منه ، أو كان مبغيا عليه « 2 » عند سلطانه ، أو كان عنده معروفا بالشره والحرص ، أو كان قد أصابه ضر وضيق فلم ينعشه « 3 » ، أو كان قد اجترم جرما فهو يخاف العقوبة منه ، أو كان يرجو شيئا يضر الملك وله منه نفع ، أو يخاف في شيء مما ينفعه ضرا ، أو كان لعدو الملك سلما ولسلمه حربا ، أو كان قد حيل « 4 » بينه وبين ما في يديه من السلطان ، أو باعده ، أو طرده ، فليس السلطان بحقيق أن يعجل في الاسترسال إلى هؤلاء « 5 » والثقة بهم والائتمان لهم . وإن دمنة داهية « 6 » أديب وقد كان ببابي مطروحا مجفوّا ، ولعله قد احتمل عليّ بذلك ضغنا « 7 » . ولعل ذلك يحمله على خيانتي وإعانة عدوي ونقيصتي « 8 » عنده . ولعله يصادف صاحب الصوت أقوى سلطانا « 9 » مني فيرغب به عني ويميل معه عليّ . ولقد كان الواجب أن أهجم على صاحب هذا الصوت بنفسي . ولم يزل الأسد يحدث نفسه بأمثال ذلك حتى جعل يمشي وينظر إلى الطريق التي سار فيها دمنة فلم يمش غير قليل حتى بصر بدمنة مقبلا نحوه فطابت نفسه بذلك ورجع إلى مكانه . ودخل دمنة عليه ، فقال له الأسد : ما ذا صنعت ، وما ذا رأيت ؟ قال : رأيت ثورا ، وهو صاحب الخوار والصوت الذي سمعته . قال : فما قوته ؟

--> ( 1 ) جفوته : مقاطعته . ( 2 ) مبغيا عليه : مظلوما . ( 3 ) ينعشه : ينهضه . ( 4 ) حيل : اعترض . ( 5 ) الاسترسال إلى هؤلاء : الاستئمان والاطمئنان إليهم . ( 6 ) داهية : ذو دهاء أي حذق ونباهة ، والتاء للمبالغة . ( 7 ) ضغنا : حقدا . ( 8 ) نقيصتي : ثلبي وذمي . ( 9 ) السلطان : قوة الملك .